الغزالي

45

جواهر القرآن ودرره

الفصل العاشر في فائدة هذه الرّموز وبيان سبب جحود الملحدين بالأصول الدينية لعلك تقول : قد ظهر لي أن هذه الرموز صحيحة صادقة ، فهل فيها فائدة أخرى تعرف سواها ؟ فاعلم أن الفائدة كلّها وراءها ، فإن هذه أنموذج لتعرف بها تعريف طريق المعاني الرّوحانية الملكوتيّة بالألفاظ المألوفة الرسمية ، لينفتح لك باب الكشف في معاني القرآن . والغوص في بحارها ، فكثيرا ما رأينا من طوائف من المتكابسين تشوّشت عليهم الظواهر ، وانقدحت عندهم اعتراضات عليها ، وتخايل لهم ما يناقضها ، فبطل أصل اعتقادهم في الدين ، وأورثهم ذلك جحودا باطنا في الحشر والنّشر ، والجنّة والنار ، والرجوع إلى اللّه تعالى بعد الموت ، وأظهروها في سرائرهم ، وانحلّ عنهم لجام التّقوى ورابطة الورع ، واسترسلوا في طلب الحطام وأكل الحرام واتّباع الشهوات ، وقصروا الهمم على طلب الجاه والمال ، والحظوظ العاجلة ، ونظروا إلى أهل الورع بعين الاستخفاف والاستجهال ، وإن شاهدوا الورع ممن لا يقدرون على الإنكار عليه لغزارة علمه وكمال عقله وثقابة ذهنه ، حملوه على أنّ غرضه التّلبيس والتّلبّس واستماله القلوب ، وصرف الوجوه إلى نفسه ، فما زادهم مشاهدة الورع من أهله إلا تماديا وضلالا ، مع أن مشاهدة ورع أهل الدين من أعظم